قدّم الرئيس السنغالي السابق ماكي سال، أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة، رؤية سياسية ومؤسسية واسعة لإعادة تنشيط دور المنظمة الدولية، في ظل عالم تتزايد فيه الأزمات وتتراجع فيه الثقة بين الدول.
وجاءت مداخلة سال في إطار جلسات الاستماع المتعلقة بعملية اختيار الأمين العام المقبل للأمم المتحدة، حيث عرض تصورًا يقوم على إصلاح التعددية الدولية، وتعزيز فعالية المنظمة، والانتقال من إدارة الأزمات بعد وقوعها إلى منعها قبل أن تتفاقم.
واستهل الرئيس السنغالي السابق كلمته بالإشارة إلى أهمية أن يكون الأمين العام شخصية قادرة على بناء الجسور بين الدول، واستعادة الثقة في مؤسسة أممية باتت تعاني من آثار الانقسامات الجيوسياسية، وتراجع قدرة المجتمع الدولي على التوافق حول الملفات الكبرى.
وشخّص ماكي سال واقع النظام الدولي باعتباره يواجه أزمات عميقة وليست ظرفية، من بينها تصاعد التنافسات بين القوى الكبرى، وانتشار النزاعات المسلحة، وتداعيات التغير المناخي، والهشاشة الاقتصادية والاجتماعية، وضغوط الهجرة، إلى جانب التحولات السريعة التي تفرضها التكنولوجيا الحديثة، وفي مقدمتها الذكاء الاصطناعي.
وأكد سال أن التعددية لا تزال الإطار الأهم لمواجهة هذه التحديات، شرط أن تُمنح الأمم المتحدة القدرة على التحرك بفعالية أكبر في مجالات حفظ السلم والأمن الدوليين، وحماية حقوق الإنسان، ودعم التنمية، وتعزيز التعاون بين الشعوب.
واستند المرشح في عرضه إلى خبرة طويلة تقارب أربعة عقود في العمل العام، تنقّل خلالها بين مواقع إدارية وسياسية متعددة، من الإدارة المحلية إلى رئاسة الجمهورية، مرورًا بمناصب وزارية وبرلمانية وحكومية. كما أشار إلى تجربته في إدارة الحوارات رفيعة المستوى، خصوصًا داخل القارة الإفريقية ومع شركاء دوليين في أطر مثل مجموعة السبع ومجموعة العشرين.
وفي صلب برنامجه، وضع ماكي سال مسألة استعادة الثقة كأولوية أساسية، مؤكدًا أنه يسعى إلى ممارسة دور أممي محايد ومنفتح على الجميع. كما دعا إلى دبلوماسية وقائية أكثر حضورًا، تعتمد على الإنذار المبكر، والوساطة، وتوثيق التعاون بين الأمم المتحدة والمنظمات الإقليمية، مع مراجعة جدية لمدى فعالية عمليات حفظ السلام.
وفي ملف حقوق الإنسان، شدد سال على ضرورة الحفاظ على طابعها العالمي وغير القابل للتجزئة، بما يشمل الحقوق المدنية والسياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية، مع ربط ذلك بسيادة القانون ومتطلبات العدالة.
أما في جانب التنمية، فقد دعا إلى تسريع تنفيذ خطة التنمية المستدامة لعام 2030، بالتوازي مع التحضير لما بعدها، لافتًا إلى أن كثيرًا من الدول النامية تواجه أعباء ديون متزايدة، وتفاوتات اجتماعية واقتصادية تمس بشكل خاص الشباب والنساء، في وقت لم تعد فيه أدوات التمويل التقليدية كافية.
واقترح سال مقاربة جديدة لتمويل التنمية تقوم على توسيع الشراكات، وتحفيز الاستثمار الخاص، وتنشيط التجارة، وتحسين الوصول إلى الائتمان. واعتبر أن دفع عجلة التنمية وخلق فرص العمل من شأنهما كذلك معالجة بعض الأسباب العميقة للهجرة غير النظامية.
وعلى المستوى الداخلي، دعا الرئيس السنغالي السابق إلى إصلاح الأمم المتحدة وفق ثلاث كلمات مفتاحية: التبسيط، والتحسين، والفعالية. ويرى أن تحسين التنسيق بين الوكالات والصناديق والبرامج الأممية أصبح ضرورة لتجنب التداخل والازدواجية، وضمان استخدام أكثر شفافية ودقة للموارد.
كما جدّد دعوته إلى إصلاح مجلس الأمن عبر توافق الدول الأعضاء، بما يعزز شرعيته وفعاليته وقدرته على الاستجابة للتحديات الدولية الراهنة.
وفي ختام كلمته، قال ماكي سال إن العالم يقف أمام خيارين: إما مزيد من التشرذم، أو العودة إلى العمل الجماعي. واعتبر أن مستقبل الأمم المتحدة ومصداقيتها سيتوقفان على قدرتها على إنتاج نتائج ملموسة وعادلة، داعيًا الدول الأعضاء إلى تبني خيارات جريئة تمكّن المنظمة من العمل بشكل أفضل وبموارد أقل.
واختتم رسالته بالتأكيد أن “وقت العمل قد حان”، في دعوة إلى إعادة الاعتبار لدور الأمم المتحدة كفضاء للتعاون والتضامن وبناء مستقبل مشترك.


