بعد أربعة وعشرين عامًا على نهاية واحدة من أعنف الحروب الأهلية في إفريقيا، قدّم رئيس سيراليون، جوليوس مادا بيو، اعتذارًا وطنيًا رسميًا لضحايا صراع 1991–2002، في خطوة سياسية ورمزية لافتة جاءت بالتزامن مع أول يوم وطني لإحياء ذكرى الضحايا.
الاعتذار، الذي أُعلن يوم الأحد 18 يناير/كانون الثاني، شكّل اعترافًا مباشرًا بماضٍ مثقل بالانتهاكات، ورسالة إلى آلاف الناجين وعائلات أكثر من مئة ألف قتيل، بأن الدولة لا يمكنها تجاهل مسؤوليتها الأخلاقية عما جرى.
في خطاب متلفز، قال الرئيس: «باسم الأمة، وباسم قادتها السابقين والحاليين، أطلب الصفح». وأضاف أن ما حدث لا يمكن محوه، لكن يمكن مواجهته بصدق وشجاعة، معتبرًا أن المصالحة تبدأ بالاعتراف لا بالإنكار.
وتوجّه مادا بيو مباشرة إلى المتضررين من الحرب، مؤكدًا أنه لا يطلب النسيان، بل السعي الجماعي إلى التعافي، واستعادة الكرامة، وبناء نسيج اجتماعي تضرر بعمق. كما شدد على أن شفاء الجراح مسؤولية وطنية مشتركة، لا تخص فئة دون أخرى.
وفي سياق سياسي يتسم بتوترات داخلية، دعا الرئيس إلى التهدئة وضبط الخطاب العام، خصوصًا على منصات التواصل الاجتماعي، مطالبًا برفض التحريض وخطاب الكراهية، وربط الاستقرار السياسي بقدرة المجتمع على تجاوز ماضيه العنيف.
وشهدت العاصمة فريتاون مراسم مؤثرة لإحياء الذكرى، حيث اجتمع ناجون من الحرب، بينهم مبتورو الأطراف وجرحى، في موقع المحكمة الخاصة السابقة. ارتدى المشاركون ملابس بيضاء، ووضعوا أكاليل الزهور، والتزموا دقيقة صمت، في مشهد حمل دلالات قوية على الألم والصمود في آن واحد.
وتبقى الحرب الأهلية في سيراليون، التي انتهت رسميًا في 18 يناير 2002، من أكثر النزاعات دموية ووحشية، بعدما اتسمت بعمليات تشويه واسعة وعنف منظم ضد المدنيين. ويأتي هذا اليوم الوطني استجابة لتوصية قديمة للجنة الحقيقة والمصالحة، التي دعت مرارًا إلى اعتراف رسمي بما جرى.
بهذا الاعتذار غير المسبوق، تحاول الدولة فتح صفحة جديدة، دون ادعاء طيّ الماضي، بل بإدراك أن الاعتراف به قد يكون الطريق الوحيد نحو مستقبل أقل عنفًا.


