يشكّل البيان الصادر عن الحكومة التشادية في 16 يناير 2026 منعطفاً حاداً في مقاربة انجمينا لتداعيات الحرب السودانية، وانزياحاً واضحاً عن سياسة « الحياد الصارم » التي تبنّتها خلال العامين الماضيين. فبين ضغوط الداخل وتعقيدات الإقليم وحسابات الأمن القومي، تبدو تشاد اليوم أقرب ما تكون إلى لحظة إعادة تعريف لعلاقتها بجارتها الشرقية وبمسرح الصراع السوداني برمّته.
-سقوط رهان « الحياد » وبداية المواجهة المفتوحة
على مدى الفترة الماضية، سعت القيادة التشادية إلى تجنّب التورط المباشر في النزاع السوداني، مكتفية بلعب دور « الجار الحذر »: تنسيق أمني محدود، ضبط نسبي للحدود، وحديث متكرر عن عدم الانحياز لأي طرف. غير أن مقتل سبعة جنود تشاديين في مواجهة مع « قوات الدعم السريع » على الحدود المشتركة، نقل الملف من خانة المتابعة الدبلوماسية إلى مستوى « القضية الوطنية ».
هذا التطور يمثل نقطة لا عودة في المزاج العام التشادي. فالرأي العام، الذي كان يتعامل مع الحرب في السودان كأزمة خارجية لها انعكاسات داخلية، بات ينظر إليها اليوم كتهديد مباشر لسيادة البلاد وأمنها. وعليه، يجد صانع القرار نفسه أمام ضغط واضح لترجمة التهديد الرسمي بالرد « الفوري والمؤلم » إلى إجراءات ملموسة، سواء على مستوى الخطاب أو على مستوى الفعل الميداني.
هذه التحوّل ينسف عملياً رهان « الحياد » الذي بنته انجمينا طوال العامين الماضيين، ويضع علاقتها بأطراف النزاع السوداني في إطار جديد يقوم على معادلة: « الأمن القومي أولاً، حتى لو كلّف الأمر صداماً مع شركاء الأمس ».
-أزمة ثقة عميقة مع « السيادة » السودانية
لم يقف البيان التشادي عند حدود اتهام « قوات الدعم السريع »، بل وجّه انتقادات حادة أيضاً إلى القوات المسلحة السودانية، متهماً إياها بانتهاك المجال الجوي التشادي، وبالمساهمة في بث « دعاية لتأجيج صراعات قبلية » داخل تشاد.
هذا الاتهام المزدوج يكرّس قناعة لدى دوائر صنع القرار في انجمينا بأن « كلا الطرفين » في السودان يحملان – بدرجات متفاوتة – تهديداً محتملاً لاستقرار تشاد، سواء عبر التحركات العسكرية قرب الحدود، أو من خلال محاولات الاستثمار في الهشاشة الاجتماعية والقبلية داخل البلاد.
اتهام الخرطوم بالسعي إلى تحريك النعرات القبلية لا يمكن قراءته باعتباره فقط اتهاما إعلاميا؛ بل إشارة مباشرة إلى دخول العلاقات التشادية–السودانية مرحلة « حرب المعلومات » وحرب النفوذ على المجتمعات الحدودية. وتشاد، التي تدرك خطورة التركيبة العرقية والقبلية في الشرق، تنظر إلى أي لعب بهذه الورقة بوصفه تجاوزاً لخط أحمر، ومساساً مباشراً بأمنها الداخلي أكثر من كونه خلافاً سياسياً مع دولة جارة.
-ثلاثة مسارات محتملة للعلاقات التشادية–السودانية
أمام هذا التوتر المتصاعد، يمكن رصد ثلاثة سيناريوهات رئيسية لمستقبل العلاقات الثنائية:
-التصعيد العسكري المحدود
يرجّح هذا السيناريو لجوء الجيش التشادي إلى تنفيذ عمليات « تأديبية » عبر الحدود ضد مواقع تُتهم بالمسؤولية عن استهداف الجنود التشاديين، أو التوجه نحو إنشاء « منطقة عازلة » داخل العمق السوداني بهدف منع تسلل المجموعات المسلحة إلى الأراضي التشادية.
مثل هذا الخيار، إن تم تبنّيه، سيحمل في طيّاته مخاطر الانزلاق نحو مواجهة أوسع مع أحد أطراف النزاع أو كليهما، ويفتح الباب أمام سلسلة من الضربات المتبادلة والتوترات الحدودية، بما يعقّد أي جهود لاحقة للوساطة أو إعادة بناء الثقة بين انجمينا والخرطوم.
-القطيعة الدبلوماسية وتشديد العزلة
السيناريو الثاني يتمثل في تصعيد سياسي ودبلوماسي قد يصل إلى سحب السفراء، وتجميد الاتفاقيات الثنائية، وإغلاق الحدود بشكل شبه كامل، بما في ذلك المسارات التي تُستخدم حالياً في مرور المساعدات الإنسانية إلى اللاجئين والنازحين في دارفور.
مثل هذا الخيار سيضاعف من عزلة السودان الإقليمية، وسينعكس سلباً على الأوضاع الإنسانية في غربه، لكنه في الوقت نفسه سيحمّل تشاد كلفة أخلاقية وإنسانية، ويضعها تحت مجهر المنظمات الدولية التي تعوّل على انفتاح الحدود التشادية كممر أساسي لعمليات الإغاثة.
ـ التدويل والاحتماء بالمظلة الإفريقية والدولية
السيناريو الثالث، الذي ألمح إليه البيان التشادي عبر الاستناد الواضح إلى « أحكام القانون الدولي »، يتمثل في توجّه انجمينا رسمياً إلى الاتحاد الأفريقي، وربما إلى مجلس الأمن الدولي، للمطالبة بضمانات لحماية حدودها، والتحقيق في الانتهاكات المزعومة، وربما الدفع نحو آلية مراقبة دولية على الشريط الحدودي.
هذا المسار يمنح تشاد غطاءً سياسياً وقانونياً لتحركاتها، لكنه يفتح في المقابل الباب أمام تدويل أوسع لأزمة السودان، ويُدخل فاعلين إقليميين ودوليين إضافيين في معادلة معقدة أصلاً، بما قد يحدّ من هامش المناورة المتاح لكل من تشاد والسودان على حد سواء.
ـ ارتدادات الأزمة على الداخل التشادي
لم يكن تحذير الحكومة للمواطنين من « خطاب الكراهية » والدعوة إلى « اليقظة » بمثابة فقرة إنشائية في بيان رسمي؛ بل يعكس إدراكاً عميقاً لحجم الخطر الكامن في انتقال العدوى العرقية والسياسية من الساحة السودانية إلى المجتمع التشادي.
تشاد التي تستضيف مئات الآلاف من اللاجئين السودانيين وتضم في نسيجها الداخلي امتدادات قبلية وحدودية متشابكة مع دارفور وأقاليم أخرى، تدرك أن أي استثمار خارجي في هذه الهشاشة يمكن أن يفجّر صراعات مجتمعية قد يصعب احتواؤها لاحقاً.
ومن هنا تأتي نبرة الحزم في التعهّد بملاحقة المحرّضين على العنف وخطاب الكراهية قانونياً، في محاولة استباقية لإغلاق الطريق أمام تشكّل « جبهات داخلية بالوكالة » لصالح أطراف النزاع في السودان، أو انزلاق الصراع إلى مواجهة بين مكونات اجتماعية داخل تشاد نفسها.
ـ لحظة اختبار تاريخي
أحداث يناير 2026 وضعت تشاد أمام اختبار تاريخي دقيق: فإما أن تنجح في فرض خطوطها الحمراء وردع الأطراف السودانية عن تصدير الحرب إلى أراضيها، مع الحفاظ – قدر الإمكان – على خيوط التواصل الدبلوماسي والإنساني، أو تجد نفسها مندفعة، رغماً عنها، إلى قلب رمال النزاع السوداني المتحركة.
البيان الذي يمكن وصفه بـ »الإنذار الأخير » قد يدفع أطراف الصراع في السودان إلى مراجعة حساباتها على الحدود الغربية، وربما إلى تخفيف الاحتكاك العسكري في المناطق المتاخمة لتشاد. لكنه، في السيناريو المقابل قد يتحوّل إلى « الطلقة الأولى » في فصل جديد أكثر قتامة من الصراع الإقليمي، تكون فيه الحدود بين الأمن القومي التشادي والمسرح السوداني أكثر ضبابية من أي وقت مضى.
الأيام والأسابيع المقبلة ستكشف ما إذا كانت انجمينا قادرة على الموازنة بين ضرورات الردع ومتطلبات الاستقرار، أم أن تصدّع « الحياد الصارم » سيكون بداية لمرحلة جديدة عنوانها: تشاد لاعب مباشر، وليس مراقبا قلقا في معادلة الصراع السوداني.


